الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

327

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

فكتبهم إذاً متعارضة ، والترجيح هنا لما وافق حكم العقل حيث يتعارض مع النقل سيّما في مثل هذا المقام من أُصول الأديان . وأمّا أنّ ( عيسى ) هو النبي المعصوم من الخطيئة ، فنحن نقدّم إليك أوّلًا أنّا معاشر الإسلام أنطق بحمده وأعرف بجليل شأنه ، وقرآننا الكريم أشدّ إعلاناً بمجده وأقوى اعتصاماً بتنزيهه وعصمته ، ولا نحيط برفيع قدره وعظيم حقّه ، ولا نحطّ من شأنه ورتبته ، كما لا ننزله فوق منزلته . ولكن نقول آسفين : إنّ أُولئك الذين يزعمون ذلك له وينزلونه فوق المقام الذي أنزله اللَّه فيه قد نسبت أناجيلهم إليه الخطايا الكثيرة ، والمعاصي الكبيرة ، كما تقدّم من نسبة شرب الخمر إليه ، والعهدان يصرّحان بالنهي عن شربها ولا سيّما في حقّ الأنبياء المنزّهين عن اللهو والباطل ، وهي من اللهو بالضرورة ، مضافاً إلى حكم العقل بقبح السكر وإزالة الشعور البتّة . ومثل ذلك نسبة الكذب إليه والخلف في قوله ( معاذ اللَّه من خطور ذلك في الخيال في حقّ رسل اللَّه المكرّمين وصفوته القدسيّين ) . راجع ( يوحنّا ) ، تجده يوحي إليه ويومي ، بل ينصّ عليه . وهذان أصلان من أُصول دياناتهم ، وقس عليها باقي أُصولهم وفروعهم ! وقد تقدّمت إليك وأطلعتك على دخيلة أمري ونخيلة سرّي ، وأشهدت اللَّه ( جلّت عظمته ) أنّه ما كان من نيّتي ولا من ركيزة قصدي إلّاغضّ النظر وغمض العين عن مساوي الأغيار والتعرّض لكشف ستارها وإبداء عوارها ، ولكن : ( جنت على أهلها براقش ) « 1 » !

--> ( 1 ) مثل من أمثال العرب ، وحكايته مشهورة في كتب الأمثال ، ولعلّه لا يخفى على ذوي الفضل لطفها . ( منه رحمه الله ) . أقول : أمّا قصّته فتجدها في مجمع الأمثال 1 : 637 ، وإليك النصّ : ( كانت براقش كلبة لقوم من العرب ، فأُغير عليهم ، فهربوا ومعهم براقش ، فاتّبع القوم آثارهم بنباح براقش ، فهجموا عليهم ، فاصطلموهم . قال حمزة بن بيض : لم تكن عن جناية لحقتني * لا يساري ولا يميني رمتني بل جناها أخ عليّ كريم * وعلى أهلها براقش تجني وروى يونس بن حبيب ، عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إنّ براقش امرأة كانت لبعض الملوك ، فسافر الملك واستخلفها ، وكان لهم موضع إذا فزعوا دخّنوا فيه ، فإذا أبصره الجند اجتمعوا ، وإنّ جواريها عبثن ليلة ، فدخّن ، فجاء الجند ، فلمّا اجتمعوا قال لها نصحاؤها : إنّك إن رددتهم ولم تستعمليهم في شيء ودخّنتهم مرّة أُخرى لم يأتك منهم أحد ، فأمرتهم فبنوا بناءً دون دارها . فلمّا جاء الملك سأل عن البناء ، فأخبروه بالقصّة ، فقال : على أهلها تجني براقش ، فصارت مثلًا . وقال الشرقي بن القطامي : براقش امرأة لقمان بن عاد ، وكان لقمان من بني ضدٍّ ، وكانوا لا يأكلون لحوم الإبل ، فأصاب من براقش غلاماً ، فنزل مع لقمان في بني أبيها ، فأولموا ونحروا الجزر ، فراح ابن براقش إلى أبيه بعرق من جزور ، فأكله لقمان ، فقال : يا بنيّ ، ما هذا ؟ فما تعرّفت قط طيباً مثله ، فقال : جزور نحرها أخوالي ، فقال : وإنّ لحوم الإبل في الطيب كما أرى ! فقالت براقش : جملنا واجتمل ، فأرسلتها مثلًا . والجميل : الشحم المذاب . ومعنى جملنا ، أي : أطعمنا الجميل . واجتمل ، أي : أطعم أنت نفسك منه . وكانت براقش أكثر قومها إبلًا ، فأقبل لقمان على إبلها ، فأسرع فيها وفي إبل قومها ، وفعل ذلك بنو أبيه لمّا أكلوا لحوم الجزور ، فقيل : على أهلها تجني براقش . يضرب لمن يعمل عملًا يرجع ضرره إليه ) . ولاحظ : الأمثال لابن سلّام 333 ، جمهرة الأمثال 2 : 252 .